فخر الدين الرازي
107
تفسير الرازي
موسى وعادة المقلد ليس إلا ذاك . قوله تعالى * ( قَالَ ياهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ) * اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه . أحدها : أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هارون باتباعه أو لم يأمره ، فإن أمره به فإما أن يكون هارون قد اتبعه أو لم يتبعه ، فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنباً لأن ملامة غير المجرم معصية . وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية ، وأما إن قلنا : إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون . وثانيها : قول موسى عليه السلام : * ( أفعصيت أمري ) * استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هارون قد عصاه ، وأن يكون ذلك العصيان منكراً ، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذباً وهو معصية ، فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية . وثالثها : قوله : * ( يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) * وهذا معصية لأن هارون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر ، فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة ، وبعد أن علم أن هارون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضاً معصية . ورابعها : إن هارون عليه السلام قال : * ( لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) * فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزاً كان قول هارون لا تأخذ منعاً له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية ، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى عليه السلام فاعلاً للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب . والجواب عن الكل : أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( فأزلهما الشيطان عنها ) * ( البقرة : 36 ) أنواعاً من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء ، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز ، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهاً . أحدها : أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم ، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما